حين تتوقف مدرسة عن العمل، لا يختفي طلابها. بعضهم يمشي مسافة أطول إلى مدرسة أخرى، وبعضهم يُحشر في فصل مكتظ أصلًا، وبعضهم — وهم الأكثر عددًا في الغالب — يخرج ببساطة من العملية التعليمية بأكملها. هذه ليست فرضية نظرية في حالة ولاية الخرطوم بعد أكثر من عامين من الحرب؛ إنها ما تكشفه الأرقام الموثقة عن حجم المدارس المتوقفة، وعدد الأطفال خارج الفصول، والفجوة المتسعة بين الاثنين.
هذا المقال يحاول الإجابة عن سؤال محدد: لماذا تُعدّ إعادة تأهيل عدد كافٍ من المدارس الحكومية — لا انتظار إعادة إعمارها الكاملة — الخطوة الأكثر إلحاحًا لحماية العام الدراسي القادم في الخرطوم تحديدًا؟
01الخرطوم بعد الحرب: أزمة مدارس بالأرقام
كانت ولاية الخرطوم مسرحًا لأعنف معارك الحرب الحضرية في السودان منذ اندلاعها في أبريل 2023، وهو ما ترك أثرًا مباشرًا على البنية التعليمية بالولاية. ووفق بيانات صادرة عن مديرية الشؤون التعليمية بمحلية الخرطوم، من أصل 450 مدرسة حكومية وأهلية في المحلية، لا تعمل بمستوى مقبول سوى 161 مدرسة فقط، بينما لا تزال 240 مدرسة قيد التقييم الفني لتحديد وضعها، ودُمّرت 36 مدرسة بالكامل[6].
الأثر يظهر بوضوح أكبر في المرحلة الثانوية: من أصل 54 مدرسة ثانوية حكومية بمحلية الخرطوم، لا تعمل فعليًا سوى 25 مدرسة، بعد أن تم دمج الطلاب في 10 مدارس للبنين و15 مدرسة للبنات نتيجة انخفاض أعداد الحضور. وحتى المدارس العاملة تعاني نقصًا حادًا في الكوادر التعليمية؛ إذ يبلغ متوسط عدد المعلمين في مدارس البنين نحو 8 معلمين لكل مدرسة مقابل حدٍّ أدنى مطلوب قدره 15 معلمًا (عجز نحو 49٪)، وفي مدارس البنات 7 معلمين في المتوسط (عجز نحو 50٪)، بينما لم توفَّر سوى 30٪ فقط من الكتب المدرسية المطلوبة[6].
هذه الأرقام تخص محلية الخرطوم تحديدًا، وهي إحدى محليات الولاية، وتقدَّم هنا كنموذج موثق لحجم الأزمة داخل الولاية، في ظل غياب بيانات شاملة منشورة على مستوى الولاية بأكملها. غير أن المناطق الأربع المستهدفة بمشروع نهضة — السلمة جنوب الخرطوم، والدروشاب شمال بحري، والمويلح ريف أم درمان الغربي، وأم ضوبان شرق النيل — تقع جميعها ضمن محليات شهدت هي الأخرى نزوحًا وعودة سكانية كثيفة، وضغطًا مماثلًا على ما تبقى من مدارس عاملة.
02الصورة الأكبر: التعليم في السودان
أزمة الخرطوم جزء من أزمة وطنية أوسع. فبحسب تقرير النداء الإنساني الصادر عن اليونيسف لعام 2025، ظلّ 17 مليون طفل من أصل 19 مليون طفل في سن الدراسة في السودان خارج الفصول الدراسية لمعظم العام الدراسي 2024، ولم يكن ينتظم في الدراسة بانتظام سوى 13٪ فقط من الأطفال في سن التعليم[4]. ومع بداية العام الدراسي 2025–2026، أفادت منظمة أنقذوا الطفولة بأن أكثر من ثلاثة أرباع أطفال السودان ظلّوا خارج المدرسة[3]. كما أفاد الأمين العام للأمم المتحدة بأن نحو 8 ملايين طفل أمضوا قرابة 484 يومًا دون دخول فصل دراسي واحد منذ اندلاع الحرب[1].
على المستوى البنيوي، أفاد تقرير التحالف العالمي لقطاع التعليم بأن 54٪ من مدارس السودان تقع في مناطق نزاع فعلي أو غير مستقرة، وأن 18٪ من المدارس تُستخدم حاليًا كملاجئ للنازحين[8]. كما وثّقت منظمة أنقذوا الطفولة زيادة بأكثر من أربعة أضعاف في الهجمات العنيفة على المدارس والعملية التعليمية خلال العام الأول من النزاع وحده، بواقع 88 حادثة موثقة حتى مايو 2024[2]. المحصلة أن المدارس التي لا تزال قائمة تعمل بفصول مكتظة، ونقص حاد في المواد التعليمية، وعجز واضح في المعلمين المؤهلين[2].
03لماذا لا يذهب الطالب إلى المدرسة التالية فقط؟
الافتراض الشائع هو أن إغلاق مدرسة قريبة يعني ببساطة أن طلابها سينتقلون إلى أقرب مدرسة عاملة. الواقع الموثق مختلف تمامًا. فبحسب مركز جنيف العالمي للتعليم في حالات الطوارئ، تتحمل الأسر أعباءً تتجاوز الرسوم الدراسية إلى مصروفات يومية كالمواصلات والغذاء، كما أن طول المسافة بين المنزل والمدرسة قوّض بالفعل قدرة كثير من الطلاب على مواصلة تعليمهم، بينما ارتفعت الرسوم الدراسية نفسها إلى نحو 850,000 جنيه سوداني (ما يعادل تقريبًا 251.85 دولارًا أمريكيًا) للطالب الواحد، في وقتٍ بلغ فيه الانهيار الاقتصادي حدًا يكاد يوقف التعليم تمامًا في بعض المناطق[7]. والنتيجة أن 9 ملايين طالب من أصل 12.5 مليون طالب كانوا منتظمين قبل الحرب لم يعودوا إلى مقاعد الدراسة بعد عامين كاملين من توقفهم[7].
بعبارة أخرى: حين تتوقف المدرسة القريبة من الحي، فإن أفقر الأسر — وهي الأكثر تضررًا من النزوح والانهيار الاقتصادي أصلًا — لا "تنتقل" ببساطة إلى مدرسة أبعد. تكلفة المواصلات والوقت والمخاطر الأمنية على الطريق تجعل هذا الخيار غير متاح عمليًا لكثير من الأسر، فيخرج الطالب من العملية التعليمية بالكامل بدلًا من أن يُعاد توزيعه على مدرسة أخرى.
04ماذا تعلّمنا دول خرجت من نزاعات مماثلة؟
سوريا والعراق قدّما نموذجين موثقين لما يحدث حين ينهار عدد المدارس الصالحة للاستخدام أسرع من انخفاض عدد الأطفال المحتاجين إليها. في سوريا، أصبحت مدرسة واحدة من كل ثلاث مدارس غير صالحة للاستخدام التعليمي، إما بسبب الدمار أو لأنها تأوي أسرًا نازحة أو استُخدمت لأغراض أخرى، وظلّ نحو 1.75 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدرسة[10]. الاستجابة تمثلت جزئيًا في توسيع نظام "الفترتين" (Double-Shift) لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب رغم تراجع عدد المباني الصالحة، إلى جانب برامج تأهيل مستهدفة لمدارس متضررة أعادت فتح فصول دراسية كانت متوقفة[9]. وفي العراق، لجأت مدارس مناطق النزاع إلى نظامي الفترتين وحتى الثلاث فترات يوميًا كوسيلة للإبقاء على حدٍّ أدنى من فرص التعليم قائمًا رغم الدمار[11].
الدرس المشترك من هذه التجارب أن الأنظمة التعليمية في حالات النزاع الطويل لا تنهار لأن كل المباني المدرسية تختفي دفعة واحدة، بل لأن عدد المدارس القابلة للاستخدام يتراجع أسرع من تراجع عدد الأطفال المحتاجين إليها، فيتكدّس الجميع في عدد أقل من المدارس حتى تصل الكثافة داخل الفصول إلى مستويات غير قابلة للاستمرار، وتبدأ الأسر بالانسحاب تدريجيًا. الحل الذي أثبت جدواه في هذه السياقات لم يكن انتظار إعادة الإعمار الكامل، بل تأهيل عدد كافٍ من المدارس بحدٍّ أدنى من معايير السلامة والتشغيل يكفي لكسر هذا التكدّس التدريجي.
05التأهيل كحد أدنى: كيف يخفف الضغط عن المدارس المجاورة
هذا هو جوهر المنطق الذي تستند إليه عمليات تأهيل المدارس في سياقات ما بعد النزاع: إعادة تأهيل مدرسة واحدة تعمل ضمن حي سكني لا تفيد طلابها فقط، بل تمتص أيضًا الطلاب الذين كانوا سيُضطرون إما للمشي مسافة أطول إلى مدرسة أبعد — بما يحمله ذلك من كلفة مواصلات وخطر تسرّب — أو للتكدّس في مدرسة مجاورة أخرى تعاني هي نفسها من الاكتظاظ. الأمر هنا لا يتعلق ببناء مدارس جديدة من الصفر، بل باستعادة الحد الأدنى من السلامة الإنشائية والمياه والكهرباء والمرافق الصحية الذي يسمح لمبنى مدرسي متضرر — لكنه قائم أصلًا — بإعادة فتح أبوابه واستقبال الطلاب.
- إصلاح الأضرار الإنشائية التي تمنع استخدام الفصول أصلًا هو ما يحدد إن كانت المدرسة ستُعيد فتح أبوابها من الأساس.
- توفير مياه نظيفة وكهرباء ودورات مياه صالحة هو ما يحدد إن كانت الأسر ستشعر بالأمان الكافي لإرسال أبنائها، وبناتها تحديدًا.
- تجهيزات تعليمية أساسية كالسبورات والمقاعد هي ما يحدد إن كانت المدرسة ستستوعب أعدادًا إضافية دون أن تنهار جودة التعليم داخلها.
وهذا بالضبط ما يجعل التأهيل المبني على تقييم فعلي لكل مدرسة — بدلًا من افتراض أن كل المدارس تحتاج التدخلات ذاتها — الأداة الأكثر كفاءة لمواجهة أزمة بهذا الحجم في الخرطوم: فهو يعالج نقاط الاختناق الفعلية التي تمنع مدرسة بعينها من العمل، بدلًا من توزيع موارد محدودة بالتساوي على مدارس لا تحتاج جميعها التدخل ذاته.
كيف تعمل عشم الوطن على هذا الملف؟
عبر مشروع نهضة، تسعى منظمة عشم الوطن للتنمية إلى ترجمة هذا المنطق إلى تدخل فعلي: إعادة تأهيل 4 مدارس حكومية في مناطق مختلفة من ولاية الخرطوم — السلمة، والدروشاب، والمويلح، وأم ضوبان — بدءًا بالمدرسة الحكومية بالسلمة كمرحلة أولى، عبر تقييم فعلي لاحتياجات كل مدرسة ثم إصلاح الأضرار الإنشائية والمياه والكهرباء والتجهيزات ودورات المياه وفق أولوياتها الحقيقية، بما يتيح لهذه المدارس استعادة قدرتها على استيعاب الطلاب وتخفيف الضغط عن المدارس المجاورة لها، مع تركيز خاص على تعليم الفتيات كون المدارس المستهدفة مدارس أساسية للبنات. لمعرفة تفاصيل المشروع الكاملة والميزانية المستهدفة، يمكن زيارة مشروع نهضة.
حماية العام الدراسي القادم في الخرطوم لا تبدأ بانتظار إعادة إعمار شاملة قد تستغرق سنوات، بل بتأهيل عدد كافٍ من المدارس القائمة أصلًا — مدرسة بعد مدرسة — بما يكفي لوقف تسرّب الطلاب من العملية التعليمية بأكملها.