كيف حوّل مبنى مدرسة أسّسها قبل خمسين عامًا إلى كلية جامعية
"منذ وقت بعيد كنت أفكر فيها كثيرًا" - هكذا يصف الأمين محمدصالح بداية فكرة إقامة كلية جامعية في قريته ود سلفاب. لم تكن الفكرة عابرة، بل تراكمت عبر عقود من متابعته لتاريخ التعليم في قريته، منذ مرحلة الخلاوى والتعليم النظامي، مرورًا بالكتّاب والمدرسة الأولية، وصولًا إلى المرحلة الثانوية العليا. كان مقتنعًا أن هذه المسيرة "لا بد أن تتواصل"، وأن ود سلفاب، بوصفها مصدر إشعاع ورائدة النشاط التعاوني على مستوى السودان، تستحق مرحلة جامعية.
في أواخر عام 2016م، وكان قد تجاوز السادسة والثمانين من عمره، بدأ مساعيه الفعلية لإقامة الكلية، مستغلًا مباني مدرسة ود سلفاب الشعبية الوسطى للبنين، التي أسّسها بنفسه قبل نحو خمسين عامًا، والتي كانت شاغرة تمامًا منذ سنوات دون أي استفادة، حتى صارت "مهجورة متصدعة".
تفاهم أولًا مع البروفيسور بابكر أحمد محمد، مدير جامعة جوبا بالخرطوم حينها، الذي اتصل بدوره بالبروفيسور مبارك محمد علي المجذوب، وزير التعليم العالي والبحث العلمي في تلك الفترة. والمجذوب لم يكن سوى أحد تلاميذه القدامى بمدرسة المدينة عرب الوسطى، من أبناء منطقة فداسي الحليماب، الذي صار طبيبًا متخصصًا في علم الأمراض، ثم مديرًا لجامعة الجزيرة، ثم وزيرًا.
في الخطوة التالية، اجتمع بالبروفيسورة سمية أبو كشوة، وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي، وشرح لها أهمية الكلية وإمكانية قيامها ونفعها لود سلفاب وما حولها من قرى. والمصادفة أن الوزيرة سمية كانت هي نفسها أحد أعضاء لجنة مناقشة رسالته للماجستير سنة 2004م. سلّمها طلبًا رسميًا للموافقة والتصديق بقيام كلية تنمية المجتمع بقرية ود سلفاب، في شهر أغسطس 2016م.
أحال المكتب الوزاري الطلب إلى جامعة القرآن الكريم وعلوم التأصيل، فسافر الأمين إلى مقر رئاستها بمدينة ودمدني، حيث قابل مديرها الدكتور محمود مهدي الشريف خالد، الذي استقبله "بكل كرم وتقدير وسرور"، وبارك له حصوله على قرار الوزارة. اشترط مدير الجامعة صيانة مباني المدرسة الشعبية الوسطى سابقًا وملحقاتها، خاصة المساكن، بسبب شغورها التام لسنوات عديدة.
لم يكتفِ مدير الجامعة بالموافقة الشفهية، بل أرسل من الجامعة وفدًا ضمّ مدير فرعهم بالحصاحيصا ومهندسًا وآخرين، للوقوف على حال المباني وكتابة تقرير عن مدى ملاءمتها. وذهب إلى أبعد من ذلك، إذ قال للأمين: "أريد بتعاونكم ومواطني ود سلفاب أن أطورها من كلية إلى فرع لجامعتنا". في الثالث من شهر صفر 1438هـ، تسلّم الأمين خطاب تعريف رسمي بالكلية، ودعوة للتبرع لصيانة مقرها.
المدرسة التي أصبحت مقرًا للكلية، أُقيمت أصلًا على أرض مساحتها 83 فدانًا، حصل على التصديق بها بفضل علاقته بكبار المسؤولين في بركات، حين كان ناظرًا لمدرسة بركات الوسطى للبنين في الستينيات، إذ تعاون معه مسؤولو بركات "إلى أبعد الحدود" ودعموا المدرسة الشعبية استثناءً.
تغيّر أحوال البلاد، إضافة إلى تأثير جائحة كورونا على كافة مناحي الحياة حول العالم، أبطأ مسيرة المشروع كثيرًا. لكنه ظل متفائلًا، معبّرًا عن أمله بأن "الله يحدث بعد ذلك أمرًا، فنرى الكلية شامخة". ويرى أن "الكلية التقنية لتنمية المجتمع" بود سلفاب ستكون مستقبلًا كليتين: واحدة للتقنية وأخرى لتنمية المجتمع، إن تعاون الناس وخلصت نواياهم.
في مذكراته، سجّل الأمين محمدصالح تسلسل خطوات المشروع الرسمية تاريخيًا، "تبصيرًا لجيل يأتي من بعدنا":
من التعليم إلى الصناعة، أثره تجاوز أيضًا حدود المدرسة.