أشخاص ذو أثرسلسلة من عشم الوطن للتنمية
كل الشخصيات
أ
أشخاص ذو أثر · الحلقة الأولى

الأمين محمدصالح
علي التوم

نشأ في زمنٍ لم تكن فيه المدارس قريبة من القرى، وكانت فيضانات النيل الأزرق الموسمية تغيّر شكل الحياة كل عام. من ود سلفاب، شقّ طريقه عبر الخلوة ثم عدة مدارس، ليعمل معلّمًا وناظرًا في اثنتي عشرة مدرسة بين 1955 و1977، ويؤسس أربعًا منها بنفسه. في السادسة والثمانين من عمره، حوّل مبنى مدرسة أسّسها إلى كلية جامعية في قريته. من فصوله الأولى، تخرّج علي عثمان محمد طه وجعفر بن عوف سليمان وعشرات غيرهم.

د. الأمين محمدصالح علي التوم رائد تعليمي
مواليد 1930م، ود سلفاب، الحصاحيصا من مذكراته «أشرعة العمر»
0سنة الميلاد
0عامًا في التدريس والإدارة
0مدرسة عمل بها
0مدارس أسّسها بنفسه
0عام نيله الدكتوراة
نقطة الانطلاق

الطريق إلى الفصل الدراسي لم يكن سهلًا

في ذلك الزمن الذي تلقّى فيه تعليمه، كانت الأوضاع صعبة وشاقة بصورة عامة: لم تكن المدارس المتوفرة قريبة من القرى، فيضطر التلميذ لقطع مسافات طويلة سيرًا أو سباحة للوصول إليها. وفي فترته التعليمية، جاء الفيضان الذي غيّر موقع مدرسته، وكانت هذه هي طبيعة الحياة التي عاشها أبناء جيله كافة.

بدأ تعليمه في خلوة قريته على لوح من الأردواز، يحفظ القرآن ويتعلّم الحساب. وفي طريقه إلى مدرسة الحصاحيصا الأولية، أصيب مرة برأسه بعد أن اصطدم بحجر ضخم تحت الماء أثناء عبوره الترعة سباحة. يصف تلك السنوات بنفسه: "ككل أبناء المزارعين، لم تكن طفولتنا هيّنة، لكنها كانت بريئة نقيّة. استفدنا من مشقتها كثيرًا، وعلّمتنا العزيمة وقوة الشكيمة عند مجابهة الصعاب".

وبناءً على شهاداتي العلمية، تقدّمت لجامعة القاهرة فرع الخرطوم. لكنّني، وبما أنني كنت متزوجًا حديثًا وأرغب الاعتماد على نفسي، وشهادة معهد بخت الرضا مع خدمة أربع سنوات تؤهلني للترقية إلى راتب أعلى، استبعدت فكرة الجامعة. من مذكراته، عن تضحيته بفرصة الالتحاق بالجامعة ليواصل إعالة أسرته من التدريس

اختار الفصل الدراسي على مقاعد الجامعة. عوّض ذلك بنفسه لاحقًا بماجستير ثم دكتوراة، بعد عقود من العمل، دون أن يتوقف عن طلب العلم.

مسيرة رحلة التعليم

اثنتا عشرة مدرسة، وأربع أسّسها بنفسه

بين 1955 و1977، تنقّل بين اثنتي عشرة مدرسة في خمس مناطق سودانية مختلفة: الجزيرة، النيل الأبيض، أعالي النيل، وكردفان. في بعضها كان معلّمًا، وفي أخرى ناظرًا يعيد بناء مدرسة متعثّرة، وفي أربع منها كان هو من فتح أبوابها لأول مرة أو أنقذها من الإغلاق.

1955 - 1957

مدرسة الخرطوم الأميرية الوسطى ثم مدرسة القطينة الأميرية الوسطى معلّم

في فصله الأول بالخرطوم الأميرية، جلس علي عثمان محمد طه، الذي درّسه اللغة الإنجليزية. ومن جيله الدراسي بالمدرسة نفسها، جعفر بن عوف سليمان. بالقطينة، تتلمذ عليه عبدالباسط صالح سبدرات ومحمد علي حسين عثمان وعبدالرحيم عبدالله الطيب.

1958 - 1961

مدرسة المدينة عرب الوسطى للبنين معلّم

أول تعيين رسمي له بعد تخرجه من بخت الرضا. من طلابه هنا، محمد عوض الكريم الطاهر الذي صار نائب وكيل وزارة المالية، والبروفيسور مبارك محمد علي مجذوب الذي صار وزيرًا للتعليم العالي، والمهندس شفق الدين بانقا الذي شيّد كبري الإنقاذ بالنيل الأبيض، وأحمد الأمين الجعلي الفائز بجائزة هيئة الإذاعة البريطانية.

1961 - 1963

مدرسة كوستي الصناعية الوسطى للبنين، النيل الأبيض معلّم

كان ضابطًا لتسعة فصول. أسّس جمعية للتربية الريفية، وشيّد حظيرة للدجاج وقفصًا للحمام ومزرعة أرانب، وزرع الخضروات في مساحة فدانين. حصلت المدرسة على المركز الأول بين المدارس الصناعية في السودان.

1963 - 1964

مدرسة خور عطارة الوسطى للبنين، أعالي النيل وكيل ناظر

عمل وكيلًا لناظر مدرسة على ضفة النيل الأبيض بجنوب السودان. من أشهر تلاميذه هناك، رياك مشار، الذي أصبح لاحقًا نائبًا لرئيس حكومة جنوب السودان.

1964 - 1965

مدرستا بركات الوسطى للبنين والبنات مؤسّس

استلم مدرسة بركات للبنين قبل افتتاحها، فجهّز أثاثها وكتبها بنفسه وافتتحها بثلاثة فصول. وبالتوازي والتزامن، أثّث وافتتح مدرسة بركات الوسطى للبنات، وسلّمها جاهزة للناظرة. من تلاميذه هنا، الطبيب غازي صلاح الدين العتباني، الذي صار لاحقًا وزيرًا للإعلام ثم مساعدًا لرئيس الجمهورية.

1965 - 1966

مدرسة المناقل الأميرية الوسطى للبنين وكيل ثم ناظر

من أميز تلاميذه هنا، شمس الدين عبدالله، الذي عمل مصرفيًا وانتُخب عضوًا في أول برلمان سوداني بعد الاستقلال مباشرة.

1966 - 1973

مدرسة المدينة عرب الوسطى للبنات ناظر

أدار المدرسة سبع سنوات، أكمل خلالها مباني الداخليات وأعمال التشجير وتوصيل الكهرباء، حتى صارت تحرز نتائج متفوقة من عام إلى عام، ونالت سمعة جعلت آباء الطالبات يرغبون في إلحاق بناتهم بها دون غيرها.

1967

مدرسة ود سلفاب الشعبية الوسطى للبنين مؤسّس متطوّع

حين لم تكن قريته تملك مدرسة متوسطة، شارك في تأسيسها من الصفر، وعمل ناظرًا لها متطوّعًا دون مقابل، بالتوازي مع عمله في المدينة عرب. يقول عنها: "لا يخالجني أدنى شك في أنها ستغدو كلية، بل جامعة بإذن الله".

1973 - 1975

مدرسة ود سلفاب الوسطى للبنات أنقذها من الإغلاق

طلبت منه إدارة التعليم النقل إلى مدينة كبيرة بعد سبع سنوات خدمة، لكنه اختار مدرسة قريته بدلًا من ذلك حتى لا تُغلق. وجدها ناقصة كل شيء، فباع محصول قمح زرعه لتمويلها، وبنى بحصيلته فصولًا وصالة ومسرحًا وسورًا، ووفّر لها خط تلفون وسكنًا داخليًا لاثنتي عشرة تلميذة.

1976 - 1977

مدرسة كردفان الأهلية الثانوية العامة، الأبيض مدير

تسلّم مدرسة متعثّرة، فأعاد بناء سورها ومبانيها الناقصة، وزرع أشجارها، وبنى مسرحًا من الحجر، وأسّس لها إذاعة مدرسية داخلية. خلال عام واحد فقط، صارت الأولى بين جميع مدارس كردفان. غادرها معارًا للسعودية قبل أن يشهد فوزها بكأس كرة القدم على مدارس الأبيض.

مسارات مسيرته

أربعة مسارات تكوّن رائدًا تعليميًا

1955 - 1977

التدريس المباشر

اللغة الإنجليزية والعربية والتاريخ، عبر سبع مدارس متوسطة وصناعية.

1963 - 1977

القيادة المدرسية

وكيل ثم ناظر، يعيد بناء مدارس متعثّرة ويرفع مستواها الأكاديمي.

1964 - 1975

التأسيس

أربع مدارس فتح أبوابها بنفسه أو أنقذها من الإغلاق: بركات وود سلفاب.

1975 / 2007

تدريب المعلّمين

موجّه فني بمكاتب التعليم، ثم مُشرف على تدريب جيل جديد من المعلّمين بجامعة الخرطوم.

المهارات

أدوات رائد تعليمي

تدريس اللغة الإنجليزية القيادة والإدارة المدرسية تأسيس المؤسسات التعليمية تدريب المعلّمين والإشراف التربوي إعداد المناهج والاختبارات الترجمة بين العربية والإنجليزية البحث التربوي والدراسات العليا
تلاميذه

من جلسوا في فصوله

من مدارس متوسطة في الجزيرة وكوستي والمناقل، تخرّج على يديه من صاروا لاحقًا في مواقع قيادة الدولة والطب والأكاديميا. هذه نماذج ذكرها بنفسه في مذكراته.

نائب أول لرئيس الجمهورية سابقًا

علي عثمان محمد طه

كان تلميذه بفصله الأول، ودرّسه اللغة الإنجليزية. صار قاضيًا ومحاميًا، ثم تقلّد أرفع المناصب بالدولة.

مدرسة الخرطوم الأميرية الوسطى
مؤسّس مستشفى الأطفال بالخرطوم

د. جعفر بن عوف سليمان

من أبناء جيله الدراسي بالمدرسة نفسها، أصبح طبيبًا ومؤسّسًا لأحد أهم مستشفيات الأطفال في السودان.

مدرسة الخرطوم الأميرية الوسطى
وزير إعلام ثم مساعد رئيس الجمهورية

د. غازي صلاح الدين العتباني

كان الأول في دفعته بمدرسة بركات. تقلّد لاحقًا عدة مناصب وزارية، وترأس وفد التفاوض في قضايا جنوب السودان ودارفور.

مدرسة بركات الوسطى للبنين
نائب رئيس حكومة جنوب السودان

رياك مشار

من أشهر تلاميذه بمدرسة خور عطارة. وقّع لاحقًا اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، وأصبح بعد الانفصال نائبًا لرئيس حكومة جنوب السودان.

مدرسة خور عطارة الوسطى
عضو أول برلمان بعد الاستقلال

شمس الدين عبدالله

من أميز تلاميذه بالمناقل. عمل مصرفيًا، وانتُخب عضوًا في أول برلمان سوداني بعد الاستقلال مباشرة.

مدرسة المناقل الأميرية الوسطى
مناصب وزارية واستشارية

عبدالباسط صالح سبدرات

تلميذه بالقطينة الوسطى، تقلّب لاحقًا في عدة مناصب وزارية واستشارية عبر عقود من العمل العام.

مدرسة القطينة الأميرية الوسطى
استراحة محارب

حين تقاعد من التدريس، لم يتقاعد من العمل

بعد 1977م، وبعد أربع سنوات معارًا لتدريس الإنجليزية بالمملكة العربية السعودية، تقاعد بالمعاش الاختياري. وظّف حينها إتقانه للغة الإنجليزية في العمل مترجمًا لسنوات، بمؤسسة دله ثم أحد عشر عامًا بالهيئة الملكية للجبيل وينبع. لكن حين نالته جامعة الخرطوم بعد عودته النهائية للسودان، عاد فورًا إلى ميدانه الأصيل: تدريب جيل جديد من المعلّمين.

نهمٌ للعلم لا يعرف سنّ التقاعد

من دبلوم بخت الرضا إلى دكتوراة النيلين

ثلاثة عقود من طلب العلم المتواصل، موازية لمسيرته المهنية كلها.

1958دبلوم معهد التربية، بخت الرضا
1979زمالة كلية المعلّمين، لندن
1996شهادة دراسة عليا في تدريس الإنجليزية كلغة أجنبية، جامعة سرّي، جِلدفورد
2004ماجستير الترجمة، المعهد الإسلامي للترجمة، الخرطوم
2007دكتوراة الفلسفة في التربية، جامعة النيلين
2007 - 2016

أستاذًا بكلية التربية، جامعة الخرطوم

بعد نيله الدكتوراة، انضمّ أستاذًا مساعدًا للغة الإنجليزية بكلية التربية بجامعة الخرطوم في سبتمبر 2007م. درّس طلبة الدبلوم العالي وبكالوريوس القبول المباشر، ثم أُسندت إليه مهمة الإشراف على حصص المعاينات وتدريس الأقران، ومادة "طرق التدريس الخاصة"، معتمدًا في ذلك على ما تلقّاه في بخت الرضا قبل نصف قرن من الزمان. واصل عطاءه حتى 2016م، متعاونًا في الأثناء مع جامعة القرآن الكريم بأمدرمان، ومدرّسًا لمادة الترجمة بجامعة جازان بالمملكة العربية السعودية.

فائدتي الأكبر والأنفع، ما يستفيده طلابي مني، خلال بذلي لهم عصارة خبراتي المتراكمة في تعليمهم ما ينفعهم في مقبل أيامهم. من مذكراته، عن سنوات التدريس الجامعي
أبواب أخرى من إرثه

قصص لم تحك بعد

إلى جانب ما سبق، وثّق في مذكراته «أشرعة العمر» فصلين إضافيين من عطائه، لكل منهما قصة كاملة تستحق أن تُروى على حدة.

إرثه الجامعي

الكلية التي بناها في السادسة والثمانين

عام 2016م، وهو في السادسة والثمانين، خاطب وزيرة التعليم العالي وتحرّك بنفسه لتحويل مبنى مدرسة ود سلفاب الشعبية، التي أسّسها قبل نحو خمسين عامًا، إلى كلية جامعية بقريته، بمساعدة أحد تلاميذه القدامى الذي صار وزيرًا.

أكمل قراءة القصة
إرثه الصناعي

مصنع الأمين للزيوت

إلى جانب مسيرته التعليمية، أسّس مصنع الأمين للزيوت بالمنطقة الصناعية بالحصاحيصا، ليمتد أثره من الفصل الدراسي إلى الصناعة المحلية في مسقط رأسه.

أكمل قراءة القصة
الخاتمة
يَكفِيـكَ فَخْرًا أنْ تَكُـونَ مُعَلِّمَـا قِفْ شَامِخًا عَانِقْ هُنَاكَ الأنْجُمَـا

بهذين البيتين يختم د. الأمين محمدصالح مذكراته «أشرعة العمر». قضى عمره معلّمًا وناظرًا ومؤسّسًا لمدارس في الجزيرة والنيل الأبيض وأعالي النيل وكردفان، وجلس في فصوله قضاة ووزراء وأطباء وأساتذة جامعات، وفي شيخوخته حوّل إحدى مدارسه إلى كلية جامعية.