نشأ في زمنٍ لم تكن فيه المدارس قريبة من القرى، وكانت فيضانات النيل الأزرق الموسمية تغيّر شكل الحياة كل عام. من ود سلفاب، شقّ طريقه عبر الخلوة ثم عدة مدارس، ليعمل معلّمًا وناظرًا في اثنتي عشرة مدرسة بين 1955 و1977، ويؤسس أربعًا منها بنفسه. في السادسة والثمانين من عمره، حوّل مبنى مدرسة أسّسها إلى كلية جامعية في قريته. من فصوله الأولى، تخرّج علي عثمان محمد طه وجعفر بن عوف سليمان وعشرات غيرهم.
رائد تعليمي
في ذلك الزمن الذي تلقّى فيه تعليمه، كانت الأوضاع صعبة وشاقة بصورة عامة: لم تكن المدارس المتوفرة قريبة من القرى، فيضطر التلميذ لقطع مسافات طويلة سيرًا أو سباحة للوصول إليها. وفي فترته التعليمية، جاء الفيضان الذي غيّر موقع مدرسته، وكانت هذه هي طبيعة الحياة التي عاشها أبناء جيله كافة.
بدأ تعليمه في خلوة قريته على لوح من الأردواز، يحفظ القرآن ويتعلّم الحساب. وفي طريقه إلى مدرسة الحصاحيصا الأولية، أصيب مرة برأسه بعد أن اصطدم بحجر ضخم تحت الماء أثناء عبوره الترعة سباحة. يصف تلك السنوات بنفسه: "ككل أبناء المزارعين، لم تكن طفولتنا هيّنة، لكنها كانت بريئة نقيّة. استفدنا من مشقتها كثيرًا، وعلّمتنا العزيمة وقوة الشكيمة عند مجابهة الصعاب".
اختار الفصل الدراسي على مقاعد الجامعة. عوّض ذلك بنفسه لاحقًا بماجستير ثم دكتوراة، بعد عقود من العمل، دون أن يتوقف عن طلب العلم.
بين 1955 و1977، تنقّل بين اثنتي عشرة مدرسة في خمس مناطق سودانية مختلفة: الجزيرة، النيل الأبيض، أعالي النيل، وكردفان. في بعضها كان معلّمًا، وفي أخرى ناظرًا يعيد بناء مدرسة متعثّرة، وفي أربع منها كان هو من فتح أبوابها لأول مرة أو أنقذها من الإغلاق.
في فصله الأول بالخرطوم الأميرية، جلس علي عثمان محمد طه، الذي درّسه اللغة الإنجليزية. ومن جيله الدراسي بالمدرسة نفسها، جعفر بن عوف سليمان. بالقطينة، تتلمذ عليه عبدالباسط صالح سبدرات ومحمد علي حسين عثمان وعبدالرحيم عبدالله الطيب.
أول تعيين رسمي له بعد تخرجه من بخت الرضا. من طلابه هنا، محمد عوض الكريم الطاهر الذي صار نائب وكيل وزارة المالية، والبروفيسور مبارك محمد علي مجذوب الذي صار وزيرًا للتعليم العالي، والمهندس شفق الدين بانقا الذي شيّد كبري الإنقاذ بالنيل الأبيض، وأحمد الأمين الجعلي الفائز بجائزة هيئة الإذاعة البريطانية.
كان ضابطًا لتسعة فصول. أسّس جمعية للتربية الريفية، وشيّد حظيرة للدجاج وقفصًا للحمام ومزرعة أرانب، وزرع الخضروات في مساحة فدانين. حصلت المدرسة على المركز الأول بين المدارس الصناعية في السودان.
عمل وكيلًا لناظر مدرسة على ضفة النيل الأبيض بجنوب السودان. من أشهر تلاميذه هناك، رياك مشار، الذي أصبح لاحقًا نائبًا لرئيس حكومة جنوب السودان.
استلم مدرسة بركات للبنين قبل افتتاحها، فجهّز أثاثها وكتبها بنفسه وافتتحها بثلاثة فصول. وبالتوازي والتزامن، أثّث وافتتح مدرسة بركات الوسطى للبنات، وسلّمها جاهزة للناظرة. من تلاميذه هنا، الطبيب غازي صلاح الدين العتباني، الذي صار لاحقًا وزيرًا للإعلام ثم مساعدًا لرئيس الجمهورية.
من أميز تلاميذه هنا، شمس الدين عبدالله، الذي عمل مصرفيًا وانتُخب عضوًا في أول برلمان سوداني بعد الاستقلال مباشرة.
أدار المدرسة سبع سنوات، أكمل خلالها مباني الداخليات وأعمال التشجير وتوصيل الكهرباء، حتى صارت تحرز نتائج متفوقة من عام إلى عام، ونالت سمعة جعلت آباء الطالبات يرغبون في إلحاق بناتهم بها دون غيرها.
حين لم تكن قريته تملك مدرسة متوسطة، شارك في تأسيسها من الصفر، وعمل ناظرًا لها متطوّعًا دون مقابل، بالتوازي مع عمله في المدينة عرب. يقول عنها: "لا يخالجني أدنى شك في أنها ستغدو كلية، بل جامعة بإذن الله".
طلبت منه إدارة التعليم النقل إلى مدينة كبيرة بعد سبع سنوات خدمة، لكنه اختار مدرسة قريته بدلًا من ذلك حتى لا تُغلق. وجدها ناقصة كل شيء، فباع محصول قمح زرعه لتمويلها، وبنى بحصيلته فصولًا وصالة ومسرحًا وسورًا، ووفّر لها خط تلفون وسكنًا داخليًا لاثنتي عشرة تلميذة.
تسلّم مدرسة متعثّرة، فأعاد بناء سورها ومبانيها الناقصة، وزرع أشجارها، وبنى مسرحًا من الحجر، وأسّس لها إذاعة مدرسية داخلية. خلال عام واحد فقط، صارت الأولى بين جميع مدارس كردفان. غادرها معارًا للسعودية قبل أن يشهد فوزها بكأس كرة القدم على مدارس الأبيض.
اللغة الإنجليزية والعربية والتاريخ، عبر سبع مدارس متوسطة وصناعية.
وكيل ثم ناظر، يعيد بناء مدارس متعثّرة ويرفع مستواها الأكاديمي.
أربع مدارس فتح أبوابها بنفسه أو أنقذها من الإغلاق: بركات وود سلفاب.
موجّه فني بمكاتب التعليم، ثم مُشرف على تدريب جيل جديد من المعلّمين بجامعة الخرطوم.
من مدارس متوسطة في الجزيرة وكوستي والمناقل، تخرّج على يديه من صاروا لاحقًا في مواقع قيادة الدولة والطب والأكاديميا. هذه نماذج ذكرها بنفسه في مذكراته.
كان تلميذه بفصله الأول، ودرّسه اللغة الإنجليزية. صار قاضيًا ومحاميًا، ثم تقلّد أرفع المناصب بالدولة.
مدرسة الخرطوم الأميرية الوسطىمن أبناء جيله الدراسي بالمدرسة نفسها، أصبح طبيبًا ومؤسّسًا لأحد أهم مستشفيات الأطفال في السودان.
مدرسة الخرطوم الأميرية الوسطىكان الأول في دفعته بمدرسة بركات. تقلّد لاحقًا عدة مناصب وزارية، وترأس وفد التفاوض في قضايا جنوب السودان ودارفور.
مدرسة بركات الوسطى للبنينمن أشهر تلاميذه بمدرسة خور عطارة. وقّع لاحقًا اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، وأصبح بعد الانفصال نائبًا لرئيس حكومة جنوب السودان.
مدرسة خور عطارة الوسطىمن أميز تلاميذه بالمناقل. عمل مصرفيًا، وانتُخب عضوًا في أول برلمان سوداني بعد الاستقلال مباشرة.
مدرسة المناقل الأميرية الوسطىتلميذه بالقطينة الوسطى، تقلّب لاحقًا في عدة مناصب وزارية واستشارية عبر عقود من العمل العام.
مدرسة القطينة الأميرية الوسطىطبيب تخصّص في علم الأمراض. شغل عدة مناصب منها وزيرًا للتعليم العالي والبحث العلمي، ومديرًا لجامعة الجزيرة، ثم أمينًا عامًا لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية.
مدرسة المدينة عرب الوسطىكان الأول في دفعته. صار المهندس الذي شيّد كبري الإنقاذ بالنيل الأبيض، ثالث كبري بين الخرطوم وأمدرمان، وأصبح صاحب كلية بانقا الهندسية بالخرطوم.
مدرسة المدينة عرب الوسطىمن دفعة 1959. أصبح نائب وكيل وزارة المالية الأسبق، ثم مديرًا عامًا للضرائب.
مدرسة المدينة عرب الوسطىتلميذه المتميز في اللغة الإنجليزية. فاز في الثمانينيات بجائزة هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز، ودُعي لزيارة بريطانيا تكريمًا له.
مدرسة المدينة عرب الوسطىتلميذه بالقطينة الوسطى، أصبح لاحقًا بروفيسورًا بجامعة أفريقيا العالمية.
مدرسة القطينة الأميرية الوسطىتلميذه بالقطينة الوسطى، صار صيدلانيًا يملك عدة صيدليات بالخرطوم.
مدرسة القطينة الأميرية الوسطىتلميذه بالقطينة الوسطى، صار وكيلًا لوزارة التجارة.
مدرسة القطينة الأميرية الوسطىشقيق جعفر بن عوف، من أبناء جيله الدراسي بالخرطوم الأميرية. عمل خبيرًا بالبنك الدولي.
مدرسة الخرطوم الأميرية الوسطىبعد 1977م، وبعد أربع سنوات معارًا لتدريس الإنجليزية بالمملكة العربية السعودية، تقاعد بالمعاش الاختياري. وظّف حينها إتقانه للغة الإنجليزية في العمل مترجمًا لسنوات، بمؤسسة دله ثم أحد عشر عامًا بالهيئة الملكية للجبيل وينبع. لكن حين نالته جامعة الخرطوم بعد عودته النهائية للسودان، عاد فورًا إلى ميدانه الأصيل: تدريب جيل جديد من المعلّمين.
ثلاثة عقود من طلب العلم المتواصل، موازية لمسيرته المهنية كلها.
بعد نيله الدكتوراة، انضمّ أستاذًا مساعدًا للغة الإنجليزية بكلية التربية بجامعة الخرطوم في سبتمبر 2007م. درّس طلبة الدبلوم العالي وبكالوريوس القبول المباشر، ثم أُسندت إليه مهمة الإشراف على حصص المعاينات وتدريس الأقران، ومادة "طرق التدريس الخاصة"، معتمدًا في ذلك على ما تلقّاه في بخت الرضا قبل نصف قرن من الزمان. واصل عطاءه حتى 2016م، متعاونًا في الأثناء مع جامعة القرآن الكريم بأمدرمان، ومدرّسًا لمادة الترجمة بجامعة جازان بالمملكة العربية السعودية.
إلى جانب ما سبق، وثّق في مذكراته «أشرعة العمر» فصلين إضافيين من عطائه، لكل منهما قصة كاملة تستحق أن تُروى على حدة.
عام 2016م، وهو في السادسة والثمانين، خاطب وزيرة التعليم العالي وتحرّك بنفسه لتحويل مبنى مدرسة ود سلفاب الشعبية، التي أسّسها قبل نحو خمسين عامًا، إلى كلية جامعية بقريته، بمساعدة أحد تلاميذه القدامى الذي صار وزيرًا.
أكمل قراءة القصةإلى جانب مسيرته التعليمية، أسّس مصنع الأمين للزيوت بالمنطقة الصناعية بالحصاحيصا، ليمتد أثره من الفصل الدراسي إلى الصناعة المحلية في مسقط رأسه.
أكمل قراءة القصةبهذين البيتين يختم د. الأمين محمدصالح مذكراته «أشرعة العمر». قضى عمره معلّمًا وناظرًا ومؤسّسًا لمدارس في الجزيرة والنيل الأبيض وأعالي النيل وكردفان، وجلس في فصوله قضاة ووزراء وأطباء وأساتذة جامعات، وفي شيخوخته حوّل إحدى مدارسه إلى كلية جامعية.